دمج فلسطين في اليسار التقدمي

نظرة عامة

المنتدى الاجتماعي العالمي هو حركة عالمية من التقدميين اكتسبت قوة ونفوذاً على مدى العقد الماضي. وهناك اجتماعات إقليمية تسبق انعقاد المنتدى العالمي، حيث توشك القوى التقدمية في الولايات المتحدة أن تعقد المنتدى الاجتماعي الثاني في الولايات المتحدة في الفترة ما بين 22 و 26 حزيران/يونيو 2010. وفي هذا الصدد، تتناول مستشارة السياسات لدى الشبكة، نورا عريقات، الفجوة بين الحلم الفلسطيني والعربي بأمريكا ملتزمة بالعدالة وبين واقع العمل الذي سيتطلبه تحقيق هذا الحلم، وتنطلق في طرحها من استبعاد التمثيل الفلسطيني في المنتدى الاجتماعي الأول المنعقد في الولايات المتحدة في عام 2007. وترى نورا عريقات أن البناء على النجاحات التي تحققت مؤخراً داخل المجتمع الأمريكي التقدمي – بما في ذلك الاضطلاع بدور رئيسي في تنظيم المنتدى لهذا العام – يقتضي النظر إلى الكفاح من أجل إحقاق العدالة للفلسطينيين بوصفه مهمة من مهام السياسات التي تترتب عليها آثار عالمية تؤثر في الفلسطينيين وغيرهم من الشعوب والمجتمعات الأمريكية المهمشة. ‫

بين الطموح والفعل

لا يكاد المرء يرى عربياً أو فلسطينياً قاطناً في الولايات المتحدة إلا يود أن يحمل أصدقاؤه الأمريكيون راية العدالة من أجل فلسطين وأن يحولوا وجهة السياسة الأمريكية نحو الصراع. فحتى إدوارد سعيد، وهو البروفسور الموقر في جامعة كولومبيا والذي حظي باحترام واهتمام في شتى الميادين، قد عبر عن هذا الشعور. ففي مسيرة العودة في عام 2002 في مدينة نيويورك، دعا إدوارد سعيد الحشود المتحمسة إلى التحدث عن فلسطين إلى كل إنسان وفي كل مكان: في محال البقالة، والمكتب، والملعب، وجمعيات الآباء والمعلمين، وموقف الحافلات وعلى متن وسائط النقل، وفي كل مكان.

ومع ذلك ورغم هذا التوق لتعزيز التضامن الأمريكي، ثمة فجوة واسعة بين الطموح وبين الفهم المطلوب لتحقيقه – بأن الفلسطينيين وشعوباً أخرى غيرهم والملايين من الأمريكيين المهمشين يجابهون العوائق الهيكلية ذاتها والتي تحول بينهم وبين حصولهم على كرامتهم الإنسانية الكاملة. إن معرفة العدو المشترك والتأكيد على الإنسانية المشتركة هو محور التضامن الحقيقي.

فمن إذن قد يشكل حليفاً فعالاً للفلسطينيين داخل الولايات المتحدة؟ ومن يجابه التمييز المؤسسي المماثل لذلك التمييز الذي يجعل من الفلسطينيين مواطنين من الدرجة الثانية على أرضهم؟ وأي المجتمعات في الولايات المتحدة تخضع للتصنيف العنصري، والحبس بصورة منهجية، والإفقار من خلال مزيج من العوامل المؤسسية، وتفتقر إلى الرعاية الصحية وفرص العمل والسكن الآمن؟

بالنسبة للعرب والفلسطينيين الأمريكيين التقدميين، فإن نظرائهم من الأمريكيين هم المهاجرون، والعمال الفقراء، والعمال المهاجرون، والسكان الأصليون، والأقليات العرقية، وغيرها من مجتمعات الولايات المتحدة التي يمكن التضحية بها من منظور إطار العمل الاقتصادي الليبرالي الجديد الذي يروج نفسه على أنه لا يميز على أساس العرق، ويقدس الفرد، ويزدري الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ويضع أرباح الشركات فوق اعتبارات مصلحة الشعب. لقد أجبرت هذه السياسات الاقتصادية الأسر الفقيرة على ترك منازلها في الولايات المتحدة، وأدت إلى سجن الأفارقة الأمريكيين بصورة ممنهجة بهدف الربح، وقوضت قدرة الحركات العمالية على التفاوض بشأن حقوق العمال، وسرّعت وتيرة تحويل مناطق الفقراء إلى مناطق للأغنياء في المراكز الحضرية، كما أججت الهجوم الغادر على المهاجرين.

يحتمل الفلسطينيون، كنظرائهم الآخرين، العبء الأكبر من نتائج أجندات الليبرالية الجديدة – والتي من أهمها التوسع في أسواق العمل والأسواق الاستهلاكية وفي استخراج الموارد – عن طريق الاستعمار و/أو الهيمنة العسكرية.

يعكف الآلاف من الأمريكيين المعارضين لظهور الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة وخارجها – ما أصطلح تسميته هنا "باليسار التقدمي" – على تنظيم المنتدى الاجتماعي الثاني في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان في الفترة ما بين 22 و 26 حزيران/يونيو 2010. والمنتدى الاجتماعي هو النسخة الأمريكية للمنتدى الاجتماعي العالمي ووفقاً لمنظميه فإنه "سوف يوفر حيزاً لبناء العلاقات، والتعلم من خبرات الآخرين، ومشاطرة تحليلنا بشأن المشاكل التي تواجهها مجتمعاتنا، ويجلب رؤى وعناصر إلهام متجددة. وسيساعد في تطوير القيادة والوعي والرؤية والاستراتيجية اللازمة لخلق عالم آخر."

يعكس المنتدى الاجتماعي الأمريكي المبادئ السياسية التي صاغها المنتدى الاجتماعي العالمي المنعقد في ريو دي جانيرو بالبرازيل في عام 2001. ويكمن في صميم هذه المبادئ الالتزام بعملية تعاونية عالمية تهدف إلى خلق عالم ترتكز الدول القومية فيه على "نظم ومؤسسات دولية ديمقراطية لخدمة العدالة الاجتماعية والمساواة وتحقيق سيادة الشعوب."

الاستبعاد من اليسار التقدمي

يشكل المنتدى الاجتماعي المنعقد في الولايات المتحدة حيزاً مواتياً للفلسطينيين لإقامة تحالفات مع القوى التقدمية الأخرى وإدراج قضية حق الفلسطينيين في تقرير المصير في جدول أعمال تيار اليسار التقدمي بصورة أكبر. وهذا تحديداً ما يسعى إليه العرب والفلسطينيون الأمريكيون الذين يعتبرون الأزمات في الشرق الأوسط ودعم الولايات المتحدة لها صنيعة من صنائع الليبرالية الجديدة المطلقة. ولكن حتى في هذا الحيز، اضطر الفلسطينيون إلى الكفاح من أجل تمثيل أنفسهم ومقاومة اتجاه ليبرالي يرمي إلى تقديم "توازن" في الروايات قبل أن يتمكنوا من الحصول على التضامن الحقيقي.

ففي المنتدى الأول المنعقد في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا في يوليو/تموز 2007، لم يتلق أي عربي أو فلسطيني دعوة للمشاركة في لجنة التخطيط الوطنية، وهي بمثابة الهيئة المنظمة للمنتدى وتتألف من المنظمات المعنية بإحقاق العدالة الاجتماعية والتي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها. ولقد حث الفلسطينيون وحلفاؤهم اللجنة كي تدعو جمال جمعة، وهو أحد رواد المجتمع المدني الفلسطيني، لإلقاء كلمة أمام الجلسة العامة يتناول فيها قيام الولايات المتحدة بتسليح منطقة الشرق الأوسط. وجمال جمعة هو عضو مؤسس في حملة أوقفوا الجدار وعضو بارز في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها وهي حركة ذات قيادة فلسطينية. وبدلاً من ذلك، وجهت اللجنة دعوتها لامرأة يهودية صهيونية ليبرالية دعت في كلمتها أمام ما يقرب من 12,000 شخص إلى اتباع نهج مشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين يقوم على تبني اللاعنف وبناء السلام. وبذلك فإنها قد "وازنت" بين الروايات الإسرائيلية والفلسطينية وصورت التمييز المؤسسي والتشريد والاحتلال الذي يعانيه الفلسطينيون بأنه نتاج الحرب الأهلية وليس نتاج الاستعمار الأجنبي الذي تدعمه الولايات المتحدة. ووفقاً للناشط الفلسطيني سامي كتمتو الذي حضر الجلسة، فإن "الرسالة الموجهة لنا كانت تفيد بأن العرب والفلسطينيين لم يكونوا عنصراً ذا قيمة في المنتدى ولم تكن ثمة حاجة بالنسبة لنا لتمثيل أنفسنا. وفي حلقة نقاشية حول الإمبريالية الأمريكية، كان هناك متحدث يناهض حق الفلسطينيين في تقرير المصير ويتحدث في صالح دعم الجهود الإمبريالية في فلسطين."

وسرعان ما انتشر خبر الكلمة المثيرة للجدل، ولا سيما في خيمة فلسطين ("نهر البارد") وهي محور تنظيم الأنشطة التعليمية والثقافية التي يقوم على تنسيقها المشاركون الفلسطينيون وحلفاؤهم في المنتدى. وقد قرر سامي كيتيمو وناشطون آخرون صياغة بيان موجه للجنة التخطيط الوطنية يعربون فيه عن قلقهم إزاء الاختيار غير الموفق للمتحدث في الجلسة العامة. وردت اللجنة صراحةً بقولها إنها لم تحسن الصنع جهلاً منها وإن اسم المتحدثة العبري قد التبس عليها في واقع الأمر وظنته اسماً عربياً، وهو ما جعل اللجنة تخال المتحدثة عربية. وفي بادرة تصالحية، دعت لجنة التخطيط الوطنية الناشطين الفلسطينيين ومؤيديهم لقراءة بيانهم على مسامع الحضور في اليوم التالي.

وقد استمرت جهود المتابعة مع منظمي المنتدى منذ عام 2007. وفي هذا الصدد، تقول سارة كيرشنار، وهي أحد الأعضاء المؤسسين للشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية الذين حضروا المنتدى عام 2007، إن إجراء المتابعة إضافة إلى مسألة المتحدث المثيرة للجدل قد عززت التزام لجنة التخطيط الوطنية بإيلاء الأولوية للمشاركة الفلسطينية في تنظيم المنتدى لعام 2010. وفي حزيران/يونيو 2009، طلب ممثل عن المنتدى من شبكة الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تحالف فضفاض يتكون من أفراد ومؤسسات فلسطينية مكرسة لبناء شبكة تشاركية وشاملة لكافة فلسطينيي الشتات المتواجدين على أرض الولايات المتحدة، أن تتقدم بطلب للدخول في عضوية لجنة التخطيط الوطنية. تضم شبكة الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة الأمريكية أفراداً ومنظمات ونواد في القرى والبلدات في كافة أرجاء الولايات المتحدة يجمعهم هدف التصدي والتغلب على التشرذم الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني، والتأكيد على الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتشجيع المبادرات التعاونية في تعزيز حق الفلسطينيين في تقرير المصير.1 وبعد انتهاء عملية المقابلة، حاز طلب الشبكة على الموافقة وأمست الشبكة عضواً بارزاً في تنظيم المنتدى منذ تشرين الأول/أكتوبر 2009.‏