بلوغ الربيع الفلسطيني

لمحة عامة

عقدت "الشبكة" طاولة مستديرة لمناقشة ورقة جميل هلال المعنونة "قراءة فلسطينية للربيع العربي،" حيث عرض عددٌ من مستشاري السياسات أفكارهم بشأن هذه الورقة وبشأن الوضع السياسي والمجتمعي الفلسطيني ومستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية. يناقش هاني المصري الأسباب وراء عدم اندلاع انتفاضة فلسطينية شاملة حتى الآن، بينما يتناول ويل يومانز الحاجة لإعادة صياغة مفهوم منظمة التحرير الفلسطينية من أجل الارتقاء بها إلى عهد جديد يعزز التعاون اللامركزي بين أطرافٍ نظيرة. كما يعرض توفيق حداد الحُجة من أجل إصلاح المنظمة انطلاقًا من الشعب من خلال النضالات الحقيقية على الأرض ولا سيما في الاراضي المحتلة. وتؤكد مِزنة القطو بأن التعبئة الديمقراطية التشاركية سوف تشكل الأساس للتحرر الفلسطيني. أما رنا بركات فتشكك في حُجة هلال من أجل عقد الانتخابات، وتتساءل ما إذا كان باستطاعة الانتخابات أن تبدأ بعلاج جميع العلل التي تعاني منها منظمة التحرير الفلسطينية وتشير أيضًا إلى أن المنظمة لم تكن ضحية اتفاقات أوسلو بل جزءًا أساسيًا فيها. ويقترح علي أبو نعمه بأن يركّز الفلسطينيون مواردهم المحدودة على إعادة إحياء الحركة الوطنية على أساس برنامج العمل وليس على أساس المؤسسات، ويشير بوجه خاص إلى الأهداف الثلاثة التي وضعها نداء المجتمع المدني الصادر في 2005 والداعي لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (نداء المقاطعة). كما يجادل بشارة دوماني بأنه يفترض في الاستجابة الفلسطينية للربيع العربي أن تأخذ في الحسبان التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وليس السياسية وحسب؛ وأن مفهوم "التشتت" الذي يُثار بكثرة هو مفهومٌ إشكالي تنبغي مقاربته نقديًا وتاريخيًا.

وفي المقابل، يؤكد جميل هلال بأن القضية الرئيسية تكمن في الكيفية التي يمكن للفلسطينيين من خلالها أن يعيدوا بناء حركتهم الوطنية وليس إصلاحها. ويضيف بأن تلك الحركة الوطنية الجديدة لا بد وأن تضلع بمهمة تنسيق الجهود والنشاط في التجمعات الفلسطينية المختلفة والمتباينة من أجل إحراز الحقوق الوطنية والاجتماعية والإنسانية.

هاني المصري

بدأ انعكاس الثورات العربية على فلسطين كما بدا واضحًا في التحرك الشبابي في 15 آذار، واتفاق المصالحة في 27 نيسان، وإحياء ذكرى النكبة في 15 أيار، وسيتعاظم لاحقًا؛ لأن فلسطين لا يمكن أن تكون بمنأى عن التأثير والمبادرة وهي صاحبة الثورات والانتفاضات منذ أكثر من 130 عامًا. يوجد عدة أسباب وراء عدم اندلاع انتفاضة فلسطينية شاملة، رغم توفر الكثير من العوامل الدافعة إليها، وتتمثل في:

السبب الأول: عدم تحقيق الثورات والانتفاضات السابقة لأهدافها، والتي بلغت خمسَ عشرةَ ثورةً وانتفاضةً كبيرة؛ قدّم فيها الشعب الفلسطيني تضحياتٍ غاليةً. نعم، لقد تحققت مكاسب، لكنّ الأهداف الأساسية لم تتحقق، والشعب قبل أن ينتفض مرة أخرى يفضل ويريد معرفة السبب ومعالجته؛ حتى تكون الانتفاضة القادمة قادرة على تحقيق ما فشلت في تحقيقه الانتفاضات السابقة. إنّ هذا السبب هو العامل الأساسي.

السبب الثاني: يرجع إلى تأثير الانقسام المدمّر على استنزاف طاقات الشعب الفلسطيني في صراع داخلي مدمّر على السلطة والمكاسب والوظائف.

السبب الثالث: يتعلق بعدم وضوح الأهداف ولا الإستراتيجيات القادرة على تحقيقها، فالقيادة الفلسطينية هبطت عن البرنامج الوطني المقرّ في منظمة التحرير منذ الثمانينيات وحتى الآن، وحماس تقترب من هذا البرنامج، وهناك ارتباك وغموض حول ما يجب عمله، وحول أيلول وما بعده، وهذا يؤثر كثيرًا على عدم اندلاع الانتفاضة. يتعلق بهذا السبب خشية المواطن الفلسطيني من الاستخدام التكتيكي لنضاله وللمقاومة الشعبية لاستئناف المفاوضات، والتركيز على الضفة الغربية وقطاع غزة، وتجاهل بقية أجزاء الشعب الفلسطيني.

السبب الرابع: يتعلق بعدم رغبة القيادة في انتفاضة لا شعبية ولا مسلحة لأنها تخشى من عواقبها وعلى مكانتها وعلاقاتها الدولية والعربية، ومع إسرائيل تحديدًا. لذلك أعلن أبو مازن إنه ضد كل أنواع الانتفاضات حيث تمنع السلطة في المدن أي احتكاك مع المستوطنين أو على الحواجز خشية من تطور المواجهات إلى انتفاضة. فإذا سايرتها السلطة ودعمتها تعاقَبُ من إسرائيل، وإذا قمعتها السلطة تنقلب الانتفاضة ضدها.

السبب الخامس: إن الثورات العربية لم تنجح سوى في تونس ومصر، وهما لا تزالان تعيشان في مرحلة انتقالية قد تطول، ولا تزال الثورات في ليبيا واليمن وسوريا غير محسومة، ولم تندلع في البلدان العربية الأخرى، لذا فالصورة النهائية غير واضحة، والتأثيرات على المدى المتوسط والبعد غير واضحة أيضًا. إنّ أي انتفاضة فلسطينية الآن في مرحلة الثورات العربية غير المكتملة لا تأتي في الوقت المناسب؛ لأن العرب مشغولون عنها، ولا يمكن أن يوفّروا لها أقصى دعم ممكن.

كما أن التأثيرات المباشرة للثورات العربية متناقضة: فهي من جهة قوّت حل الدولتين، كما ظهر في خطاب أوباما، وتحركات دولية مختلفة؛ ومن جهة أخرى تضعف هذا الحل كما ظهر في خطاب نتنياهو، والتحركات الشعبية الفلسطينية التي باتت تطرح مسألة اللاجئين وحق العودة بصورة لم يسبق لها مثيل، مقارنة بالفترة السابقة منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن.

ويل يومانز

أنا أتفهم كليًا مقالة هلال ولكن أقترح بأن نعيد صياغة مفهوم منظمة التحرير الفلسطينية، أو - إن جاز التعبير - الإصدار الثاني من منظمة التحرير الفلسطينية. فبدلًا من جسمٍ مركزي يتركز ثِقلُه في الإدارة يصبح محور السياسة الفلسطينية الديمقراطية، فإنه ينبغي لنا أن نفكر بتعزيز العلاقات بين الشبكات وبالبحث عن طرقٍ جديدةٍ لإقامة التنسيق والتعاون بين الفلسطينيين المختلفةِ مواقفُهم. إن الكيانات التنظيمية المركزية الذي يتركز ثِقلُها في إداراتها تكون بطبيعتها غير مرنةٍ، ويكون من السهل للغاية أن تبسط جهةٌ أخرى سيطرتَها عليها، وغالبًا ما تخنق هذه الكيانات التيارات الإبداعية والثقافات السياسية التي كثيرًا ما تكون مقموعة ولا سيما تلك التي تقودها الأجيال الشابة.

لدينا اليوم ما لم نكن نملكه إبان ذروة منظمة التحرير الفلسطينية وهو تكنولوجيا الاتصالات المتقدمة وأدواتها التي تتيح إمكانية التبادل السريع للمعلومات والمعارف. وبحسب تعبير مانويل كاستلز فإن أي مجتمعٍ شبكي يتكون من أطراف وروابط تصل فيما بينها. إن اللامركزية حقيقةٌ واقعةٌ في الحياة المعاصرة، ولكننا كفلسطينيين نحيا حياةً سياسيةً مجزأةً يصفها هلال بأنها عَرَضٌ من أعراض قِصَرِ النظر التي اتسمت به اتفاقات أوسلو.

إن فرض المركزية في شكل منظمة تحريرٍ فلسطينيةٍ قوية على الجسم السياسي الفلسطيني الأشمل لا يتوافق وواقع التشتت الفلسطيني ومنطق العمل الجماعي المعاصر المتجسد في الربيع العربي. فبدلًا من مؤسسة كبيرة ذات طابع رسمي، لا بد للإصدار الثاني من منظمة التحرير الفلسطينية أن يتمحور حول إنتاج البيانات وتبادلها وتداولها وحول التعاون بين أطراف نظيرة. فالإصدار الثاني يُعنى بالخطاب عوضًا عن اللوائح الداخلية، وبالثقافة عوضًا عن سياسة الكواليس.

أنا أتفق مع أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية مجرد طرفٍ نظيرٍ يعمل من أجل تعزيز الأطراف الأخرى والتنسيق وبناء العلاقات فيما بينها. فبدلًا من أن تكون منظمة التحرير مظلةً ديمقراطيةً تمثل مختلف فئات الشعب الفلسطيني، ينبغي لها أن تسعى لتشجيع الأطراف المختلفة وتعزيزها انطلاقًا من المخيمات في لبنان إلى الجاليات في أمريكا الشمالية. ولربما تبزغ منظمة التحرير الفلسطينية في وقت لاحق كطرفٍ مركزي بالكامل، بل وربما تعاود اكتساب مكانتها كوكيلٍ ممثل.

وللتوضيح، فأنا لا أعتقد أن نجاتنا تكمن في تكنولوجيا الاتصالات، فنحن مشتتون جدًا لدرجة أننا نعجز عن إيجاد مركزٍ جديد، كما وقد أصبحت هنالك اليوم نماذج جديدةٌ للتنظيم السياسي.