البحث عن قيادة ذات استراتيجية تتجاوز المفاوضات العقيمة

الشبكة موقف في قضية

بالنظر إلى الفشل الذريع الذي ظلت تُمنى به منظمة التحرير الفلسطينية على صعيد إحراز الحقوق الفلسطينية منذ تأسيسها قبل عقود، فقد آن الأوان لتحري السُبل لوضع استراتيجيةٍ من أجل التحرر الوطني والتحري عن الجهات التي يمكنها صياغة تلك الاستراتيجية. وفي هذه الورقة، تتطرق مستشارة الشبكة لشؤون السياسات، نورا عريقات، إلى الفراغ الذي أحدثته اتفاقات أوسلو في القيادة السياسية، وتناقش دور الشتات الفلسطيني في إنشاء العديد من الشبكات العابرة للحدود الوطنية والتي تحاول ملء فراغ القيادة المرجعية. ومن ثم تتناول دور اللجنة الوطنية للمقاطعة واستراتيجية مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها كمقاربةٍ حقوقية لا تملك برنامجًا سياسيًا. كما تستشف عريقات الدروس من تجربة جنوب إفريقيا وتتناول المخاطر المترتبة على إنجاز المصالحة دون حلول ثورية.

في البحث عن القيادة الفلسطينية: انهيار منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية

عادت القيادة الفلسطينية لفترة وجيزة إلى طاولات المجاملات الدبلوماسية المهترئة من أجل التفاوض على مسار المفاوضات. وأشارت هذه العودة إلى تراجعٍ مُقلقٍ على صعيد موقف المواجهة الذي اتخذته القيادة في أيلول/سبتمبر 2011 عندما اتجهت بقضيتها إلى الأمم المتحدة. فحينها، اعتقد الفلسطينيون، ولا سيما بعد أن ارتفعت معنوياتهم بفضل رسالة التحرر التي بعثها الرئيس محمود عباس إلى المجتمع الدولي، بإمكانية أن تخرج القيادة بنضالها من أجل تقرير المصير من دائرة المفاوضات الثنائية العقيمة إلى الساحة الدولية. بيد أن قرار منظمة التحرير الفلسطينية باستئناف المفاوضات لبعض الوقت قد بدّد الأمل في أن يكون لدى القيادة الفلسطينية رؤيةٌ استراتيجيةٌ من أجل التحرر الوطني. فإبان "عملية السلام" ذات الأعوام الثمانية عشر، ازداد عدد المستوطنين إلى أكثر من الضعف، وأعلنت إسرائيل غورَ الأردن بأسره منطقةً عسكريةً مغلقةً، واستولت على 12 في المئة من مساحة الضفة الغربية بفضل جدار الضم، وأصبحت تسيطر على 62 في المئة من الضفة الغربية، وجعلت من قطاع غزة مرتعًا للفقر والعوز بسطوة الحرب والحصار المستمر، وسرّعت وتيرتها في تطهير القدس عرقيًا. لذا فإن العودةَ إلى طاولة المفاوضات في ظل هذه الظروف أمرٌ غير مبررٍ ولا مغتفر. وفي ظل غياب استراتيجية فلسطينية للتحرر الوطني، فإن المفاوضات ستؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالمصالح الوطنية الفلسطينية.

لقد انتهت منذ زمن الولايةُ الانتخابيةُ التي حظيت بها السلطة الفلسطينية على فلسطينيي الضفة الغربية البالغ عددهم 2.5 مليون نسمة، وحتى لو كانت لا تزال نافذة، فإن السلطة الفلسطينية "تمثل" ربع عدد الفلسطينيين في العالم فقط. لذا، فإن من الإنصاف أن نتساءل عمّا إذا كان هناك جسمٌ آخر يستطيع أن يضع بشكل مسؤول استراتيجيةً للتحرر الوطني ويكون أكثر تمثيلًا ممّا كانت عليه منظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية على مرّ العقدين الماضيين، وأن نتساءل أيضًا، في حال وجِد ذلك الجسم، عن أهدافه وما ينبغي لها أن تكون.

إن الافتقار إلى برنامجٍ سياسي يمثل التطلعات الوطنية الفلسطينية ناجمٌ من التآكل المستمر في منظمة التحرير الفلسطينية الذي أعقب اتفاقات أوسلو. وفي هذا الصدد، يقول الكاتب سيف دعنا في ورقته غير المنشورة والمعنونة "صعود وانهيار منظمة التحرير الفلسطينية: تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية":

"هيأت اتفاقية أوسلو أسباب أُفول منظمة التحرير الفلسطينية، كبنيةٍ وبرنامج، إذ أحدثت حالةً من الصراع داخل المنظمة ما بين البيروقراطيين المرتبطين بالطبقة الحاكمة الجديدة، والشخصيات المتمسكة بقيم المنظمة وبالتحرر والاستقلال. وقد اشتدت هذه المنافسة الحتمية مع حلول السلطة الفلسطينية تدريجيًا محل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الهيكل السياسي، الأمر الذي ترافق معه إعادة تعريف القضية الفلسطينية بشكل جوهري".

ازدادت حدة التوترات بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، من حيث الأهداف والهيكل الخاص بكلٍ منهما، بعد النصر الانتخابي الذي حققته حركة حماس في كانون الثاني/يناير 2006، وتجددت التوترات أيضًا عندما تقدمت السلطة الفلسطينية، تحت رعاية منظمة التحرير، بطلبٍ إلى الأمم المتحدة لكي تصبح فلسطين دولةً عضوًا.

وكردٍ فوري على فوز حماس في الانتخابات التشريعية، سارعت الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، بعد أن وضعت حماس على قائمة "المنظمات الإرهابية،" إلى فرض عقوبات على السلطة الفلسطينية ممّا فاقم التوترات بين السلطة الفلسطينية وحركة فتح، وهي الحزب السياسي العلماني المهيمن سابقًا بقيادة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات. وبلغت التوترات ذروتها حين هزمت حماس حركةَ فتح في غزة في حزيران/يونيو 2007، فيما يمكن وصفه بانقلاب استباقي تمخضت عنه حكومةٌ فلسطينيةٌ منقسمةٌ سياسيًا وجغرافيًا. وبعد ذلك، استأنفت الولايات المتحدة وإسرائيل دعمهما المالي والدبلوماسي للسلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها حركة فتح، ممّا مكّن حركةَ فتح من ممارسة تأثيرٍ واسعٍ في الأجندة السياسية الفلسطينية الرسمية.

ولمّا كانت القيادات الفلسطينية غارقةً في صراعٍ طاحنٍ فيما بينها، فإنها قد بذلت جهدًا أكبر لبسط سيطرتها على الأراضي المحتلة أكثر ممّا بذلت لمحاربة الاحتلال الاستعماري الاستيطاني والفصل العنصري. فلا حماس ولا فتح ولا حتى حكومة الوحدة الوطنية التي ما لبثت أن انهارت تمثل الشعب الفلسطيني بأسره. لقد حدا هذا الصراع بالصديق والعدو على حدٍ سواء لأنْ يتساءل "مَن الذي يتحدث باسم الفلسطينيين؟"

طرح الفلسطينيون هذا السؤال مجددًا في الفترة التي سبقت أيلول/سبتمبر 2011 عندما تقدمت السلطة الفلسطينية/منظمة التحرير الفلسطينية بطلب العضوية في الأمم المتحدة. فمنذ أنْ أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3236 في العام 1974، ظلت منظمة التحرير الفلسطينية، التي لا تملّ من لازمة "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني،" تحمل صفة مراقب في الأمم المتحدة. وقد أثار مسعى إقامة الدولة مخاوف من أن السلطة الفلسطينية، التي تمثل الأراضي الفلسطينية المحتلة فقط، سوف تحل محل منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل للفلسطينيين أمام المجتمع الدولي إذا منحت الأمم المتحدة العضوية لدولة فلسطين. كما يخشى الفلسطينيون في الشتات من استبعادهم من التمثيل الوطني الفلسطيني تمامًا. فدفع خطر الاستبعاد هذا الكثير من الفلسطينيين في الشتات لرفض مسعى إقامة الدولة رفضًا قاطعًا.