سياسة

المطالبة بحق تقرير المصير

الشبكة موقف في قضية

هل سوف تضمن أي دولة فلسطينية، مهما كانت سيادتها، حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير؟

لمحة عامة

هل سوف تضمن أي دولة فلسطينية، مهما كانت سيادتها، حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير؟ يستعرض مستشار الشبكة لشؤون السياسات، علي أبو نعمة، في هذا الموجز، تطور مفهوم تقرير المصير، وقابلية تطبيقه على الشعب الفلسطيني، وتلاشيه التدريجي منذ عام 1991. ويرى الكاتب أن حق تقرير المصير يجب أن يعود إلى صلب النضال الفلسطيني، بل ويبين أيضاً كيف أن ممارسة الفلسطينيين لهذا الحق تتوافق والتعايش مع اليهود الإسرائيليين في نهاية المطاف‏.‏

كيف قوضت "عملية السلام" حق تقرير المصير

تصدى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في كلمته التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1974 إلى "جذر المشكلة الفلسطينية" إذ صرَّح أن "أساس المشكلة ليس خلافاً دينياً أو قومياً بين دينين أو قوميتين وليس نزاعاً على حدود بين دول متجاورة، إنه قضية شعب اغتصب وطنه وشرد من أرضه لتعيش أغلبيته في المنافي والخيام." ويا لها من مفارقة كيف أعادت "عملية السلام" تصوير القضية الفلسطينية تحديداً بأنها أكثر بقليل من نزاع حدودي بين إسرائيل ودولة فلسطينية مفترضة. وقد اختُزلت “جذور القضية” بدايةً في قائمة مقتضبة من "قضايا الوضع النهائي": الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين، ومن ثم دُفنت تدريجياً. كما ضاع أي التزام بتقرير المصير من حيث المبدأ ومن الناحية العملية. ورغم أن هذه القضايا قلما تُناقش على الصعيد الرسمي، فإنه قد درج منذ أمد بعيد في أوساط عملية السلام أن قضايا "الوضع النهائي" قد سويت بالفعل، وفقاً لمتطلبات إسرائيل إلى حد كبير (لقد سمعنا مراراً وتكراراً إلى حد الغثيان مقولة: "الكل يعلم كيف سيكون شكل التسوية النهائية"). وقد قبلت الولايات المتحدة ومن انتقتهم بعناية من القادة الفلسطينيين بأن "الكتل الاستيطانية" الإسرائيلية الضخمة التي تؤوي معظم المستوطنين سوف لن تبارح مكانها في الضفة الغربية.‏

وقد اعتمدت الصيغة نفسها بالنسبة للقدس، فوفقا لما يُسمى معايير كلينتون: سوف تحصل إسرائيل على “الأحياء اليهودية” في حين تحصل الدولة الفلسطينية على “الأحياء العربية”. أما ما يعنيه هذا في الواقع العملي فهو أن إسرائيل ستحتفظ بكل ما ضمته إلى كيانها بصورة غير شرعية واستعمرته منذ عام 1967، وربما سيحصل الفلسطينيون على شكل ما من أشكال الحكم الذاتي على ما تبقى من أرض – تلك الأرض الآخذة بالانحسار يومياً جراء تصعيد إسرائيل جهودها بقوة من أجل تهويد القدس الشرقية. وفي حين أن كل ما يقع شرق حدود عام 1967 هو قابل للقسمة و“متنازع عليه”، فإن ذلك لا ينطبق على ما يقع إلى الغرب منها. فلن يحق للفلسطينيين، على سبيل المثال، المطالبة بعودة أحيائهم في القدس الغربية التي طهرتها إسرائيل عرقياً واستعمرتها في عام 1948. وفي الواقع، خلقت "عملية السلام" حافزاً لإسرائيل لتسريع استعمارها للقدس الشرقية لأن إسرائيل تدرك جيداً بأن ما سيتبقى دون استعمار سوف يشكل السقف الجديد ‏للمطالب الفلسطينية التي ستدعمها الولايات المتحدة وغيرها من رعاة عملية السلام.‏

وبالمثل، فإن قضية اللاجئين قد "سويت" فعلياً. فقد كشف كبير المفاوضين المعين من السلطة الفلسطينية صائب عريقات في ورقة نشرها في كانون الأول/ديسمبر الماضي أن زعيم حركة فتح ورئيس السلطة الفلسطينية المنتهي ولايته محمود عباس قد اقترح على إسرائيل بأن لا يعود أكثر من 15,000 لاجئ فلسطيني كل عام على مدى عشرة أعوام إلى أراضيهم الأصلية الواقعة فيما بات يُعرف الآن بإسرائيل.ووفقاً لعريقات، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود اولمرت قد عرض بالمقابل عودة 1,000 لاجئ كل عام على مدى خمسة أعوام. وبعبارة أخرى، اتفق الطرفان بالفعل على إلغاء الحقوق الأساسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وكانت مساومتهم فقط بشأن الفرق بين 5,000 و 150,000 لاجئ، أي ما يعادل أقل من ثلاثة في المئة من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين للحصول على خدمات الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى).‏ 1

إذن، ما الذي تبقى للتفاوض بشأنه؟ يلخص كميل منصور في موجزه بشأن السياسات القضايا العالقة بدقة - كما تُرى في إطار عملية السلام – الحدود النهائية ومقومات السيادة للدولة الفلسطينية. ويشكك منصور في إمكانية أن تُسفر المفاوضات في ظل الظروف الراهنة عن معاهدة سلام تلبي "متطلبات السيادة الفلسطينية."‏

فلنفترض جدلاً أن إسرائيل وافقت على قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة بما يُرضي المواقف الفلسطينية الرسمية وينشئ دولة لها سيادة كسيادة أي دولة أخرى. فإن السؤال الذي يطرح نفسه حينئذ هو: هل تؤمِّن هذه الدولة ذات السيادة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني؟ هل تُعيد لهم حقوقهم الأساسية وتكفلها؟ فكما سيورد النقاش أدناه، فإن الجواب هو بالتأكيد لا. وهذا يؤكد الحاجة للتفريق بين الهدف المحدود المتمثل في الحصول على السيادة وبين الهدف المتمثل في تقرير المصير.‏

تمارس الدول سيادتها من خلال أداء مهام متفق عليها تشمل السيطرة الفعلية على الأرض والحدود والموارد والحفاظ على استقلالها السياسي. أما حق تقرير المصير فيمارسه الشعب القاطن في أرض ما بصورة شرعية. وقد ينجم عن تقرير المصير دولة ذات سيادة، ولكن ليس ذلك بالضرورة. ويجب أن يعي المرء هذا الاختلاف وأن يدرك بأن حق تقرير المصير لا يزال في صميم النضال الفلسطيني.‏

فهم مبدأ تقرير المصير

برز مبدأ تقرير المصير بحلته الراهنة كما عبر عنه رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسون في نهاية الحرب العالمية الأولى، إذ قال: "إن تسوية كل المسائل سواء المتعلقة بالسيادة، أم بالأرض، أم بالترتيبات الاقتصادية، أم بالعلاقات السياسية" يجب أن تتم "على أساس قبول المعنيين مباشرة بتلك التسوية قبولاً حراً، وليس على أساس المنفعة أو المصلحة المادية لأي أمة أخرى ترغب في التوصل إلى تسوية مختلفة تخدم نفوذها الخارجي أو تعزز هيمنتها."‏2

وببساطة، ما عاد بالإمكان تنقيل الأراضي والشعوب بين الإمبراطوريات والممالك كأحجار الشطرنج. فأي ترتيبات سياسية - ولا سيما في المناطق التي تمر بمرحلة إنهاء الاستعمار – وجب أن تحظى بالموافقة الحرة لأولئك الذين سيعيشون بموجبها. وما لبث هذا المبدأ حتى انتُهك فعلياً في العديد من الحالات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وبخاصة في فلسطين. ومع ذلك، فقد شهد تقدماً ونصت عليه في وقت لاحق المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة وغيره من الصكوك، كما اكتسب أهمية بارزة في فترة إنهاء الاستعمار التالية للحرب العالمية الثانية.‏

يقدم أستاذ الفلسفة في جامعة نورث إلينوي، توميس كابيتان، الذي سبق وأن درس كذلك في جامعة بيرزيت، ملخصاً ممتازاً لتاريخ هذا المبدأ وتطبيقه. فهو يجادل على نحو مقنع بأن حق تقرير المصير، نظرياً وعملياً، هو حق لا يخص المجموعات القومية بوصفها مجموعات قومية، وإنما يخص السكان الشرعيين في الإقليم الذي لم يُسوى وضعه (لأنه كان مستعمراً في السابق، على سبيل المثال، أو لأنه غير خاضع لسيادة) أو الإقليم المعرض للخطر بسبب الإخفاق المستمر لصاحب السيادة الراهنة في حماية هؤلاء السكان الشرعيين أو انتهاكه هو نفسه لحقوقهم الأساسية باستمرار. أما سكان الأقاليم التي توافق هذه المعايير “فيحق لهم تقرير مستقبلهم السياسي إما عن طريق تنصيب أنفسهم كوحدة سياسية مستقلة، أو الاندماج مع دولة أخرى، أو تقسيم أنفسهم إلى دويلات."‏3

وفلسطين كما يشير كابيتان "هي الأرض الوحيدة التي أُخضعت لانتداب عصبة الأمم ولم يُمنح سكانها القائمون هذا الامتياز."4 بل وعوضاً عن ذلك، وافقت بريطانيا العظمى، وهي الدولة المنتدبة، على تقسيم فلسطين رغم معارضة الغالبية العظمى التي يمثلها السكان العرب الأصليون، وتواطأت في بناء قوات الاستيطان الاستعماري الصهيونية القادمة من أنحاء أخرى من العالم، حيث استولت هذه القوات في نهاية المطاف وبطريق العنف على جزء كبير من أراضي فلسطين. وبتأييد الجمعية العامة للأمم المتحدة للتقسيم بالقرار رقم 181 في عام 1947، أشار ياسر عرفات في كلمته في عام 1974 إلى أن الجمعية "قسمت ما لا يجوز لها أن تقسم: أرض الوطن الواحد"، وبالتالي ساهمت في حرمان الشعب حقه في تقرير المصير. ولم تحظ فكرة القيام بأي شكل من التشاور عبر الاستفتاء العام أو غيره من العمليات الديمقراطية بأي تفكير قط.‏

واليوم، بحسب كابيتان، فإن السكان الشرعيين لفلسطين التاريخية يضمون على الأقل كافة الفلسطينيين القاطنين في أي جزء من فلسطين، وجميع اللاجئين خارجها. "ولأن الطرد لا يمحو حق الفرد في الإقامة، فإن هؤلاء الفلسطينيين يحتفظون أيضاً بحق الإقامة في تلك الأراضي التي طردوا منها."5 وهكذا، فإن الشعب الفلسطيني يحتفظ جماعياً "بحقه في تقرير المصير في تلك المنطقة [فلسطين التاريخية]... لا بوصفهم فلسطينيين وإنما بوصفهم سكان شرعيين. أما تلك القوة التي استخدمت ضدهم فلم تطمس حقيقة أنهم وحدة ذات شرعية يحق لها المشاركة في تقرير مصيرهم، وحقيقة أنه يُعترف بكونهم كذلك أيضاً."‏6

إن عملية السلام التي ابتدأت بمؤتمر مدريد لعام 1991 قد استثنت غالبية الفلسطينيين تدريجياً من امتلاك أي دور في تقرير مستقبل بلدهم. فمن منظور رعاة عملية السلام، يمثل "الشعب الفلسطيني" في حده الأقصى أولئك المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل وحتى غزة قد غدت تجد نفسها الآن مهمشة كسائر فلسطينيي الشتات. وهذا الاستثناء هو ما سمح باختزال قضية ‏إنهاء الاستعمار وتقرير المصير حتى غدت قضية أكبر بقليل من "نزاع حدودي."‏