سياسة
قراءة فلسطينية للربيع العربي
لمحة عامة
يتساءل جمهور الشباب الفلسطيني كيف يمكن للثورات الديمقراطية الشعبية في البلدان العربية أن ترفد نضالهم الوطني. فهم من فجّر الانتفاضة الأولى سنة 1987 وكانوا وقود الانتفاضة الثانية في عام 2000. وهم يؤمنون بأن لهم دورًا يؤدونه في ثورات الشباب العربي الساعي للتغيير الديمقراطي. كما إن التنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني الفلسطينية تبحث عن أجوبة لهذا التساؤل. يرى مستشار الشبكة لشؤون السياسات جميل هلال في مقالته هذه بأنه لا يمكن الحصول على هذه الأجوبة من الخارج، وإنما فقط من خلال فهم الشرط الفلسطيني الذي يختلف، في جوانب مهمة، عن الشرط الذي توالدت فيه الانتفاضات العربية. ويبين هلال بعض المبادئ الأساسية اللازمة لقيام "ربيع فلسطيني" بما فيها جسم سياسي موحد من جديد، وآليات للتمثيل، وتعددية سياسية وفكرية.
الشرط الفلسطيني
إن الشعب الفلسطيني هو الشعب العربي الوحيد الذي ينقصه دولة وطنية، وتواجه مكوناتُه المتعددة ظروفًا وأوضاعًا مختلفة نجد بينها سيطرة الاستعمار الاستيطاني وفرض الحصار الخانق وممارسة التمييز القومي والعنصري والتعرض لمقتضيات حالات اللجوء والشتات والمنفى. وهكذا، فإن القضية الوطنية لا تنفصل عن القضية الديمقراطية. ومنذ عام 1993، عملت اتفاقات أوسلو على مأسسة تشتت الشعب الفلسطيني. ونتيجةً لذلك، غدت العديد من القضايا بحاجةٍ إلى تحليل. وهذا يشمل برنامجًا وطنيًا في مرحلة ما بعد أوسلو؛ والافتقار إلى قيادة فلسطينية وطنية موحدة تحظى بالشرعية من غالبية الشعب الفلسطيني؛ وغياب مؤسسات وطنية تشريعية وتنفيذية جامعة؛ والانقسامات في الحركة الوطنية.
لقد ظلت مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية منذ أوسلو مهمشةً، فقد جرى تذويبها فعليًا في السلطة الفلسطينية وهي سلطة الحكم الذاتي محدودة الصلاحيات التي أنشئت في عام 1994. وفي تلك الأثناء، تراجع الدور الذي كانت تضطلع به اتحادات منظمة التحرير القطاعية والمهنية - الطلابية والنسائية والعمالية وتلك الخاصة بالمهندسين والمعلمين والكتاب والصحفيين وغيرهم - من حيث إشراك كل مكونات الشعب الفلسطيني في النضال الوطني التحريري. وأخذت المؤسسات والآليات التي كانت تجمع الحركة الوطنية الفلسطينية بالشعب الفلسطيني إبان السبعينات والثمانينات من القرن الماضي تتآكل تدريجيًا. فكانت المحصلة أن انسلت خيوط النسيج الذي كان يوحد النضال من أجل الحقوق الوطنية والديمقراطية والإنسانية.
إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية
بات من الواضح أن تطلعات الفلسطينيين في تقرير المصير والحرية والديمقراطية لن تتحقق ما لم يعيدوا بناء حركتهم الوطنية. ولكن كيف يمكن إعادة بنائها على أسس تمثيلية بما يشرك قواعدها الاجتماعية في فلسطين التاريخية وخارجها؟ استنادًا إلى مراجعة تجربة منظمة التحرير في عقودها الثلاثة الأولى تبرز الحاجة إلى الأسس التالية في عملية إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية:
إعادة توحيد الجسم السياسي الفلسطيني
ينبغي أن تحظى كل مكونات الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية وخارجها بالتمثيل بما يتناسب وأوضاع وخصوصيات كل تجمع فلسطيني. وبعبارة أخرى، ينبغي للمجلس الوطني الفلسطيني أن يتناول المطالب المُلحة والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تواجه كل مكون من المكونات الثلاثة الرئيسية للشعب الفلسطيني. فالفلسطينيون داخل الخط الأخضر ( المقيمون في إسرائيل) يعكفون على محاربة التمييز العنصري والسعي للحصول على حقوقهم القومية بوصفهم أقلية. أما الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة فيناضلون لإنهاء الاحتلال الاستيطاني الاستعماري لأراضيهم وضد الحصار. وبالمثل، يسعى الفلسطينيون في الشتات لإبقاء حقهم في العودة إلى موطنهم حيًا ومن أجل رفع الوصاية الأمنية عن المخيمات في البلدان التي يعيشون فيها، وكذلك للحصول على اعتراف بحقوقهم المدنية.
تشكل مجموعات الحقوق المختلفة هذه مكونات النضال الفلسطيني من أجل تقرير المصير والتحرر الوطني. وإن لمن مصلحة الشعب الفلسطيني بأكمله أن يزول الاحتلال، وأن يزول التمييز العنصري، وأن يُدرَك حق العودة. وعندما تؤخذ معًا، فإن إعمال هذه الحقوق سوف يعالج الظلم التاريخي الذي لحق بالفلسطينيين. ولقد كانت المرة الوحيدة التي نشب فيها تعارض بين تطلعات مكونات الشعب الفلسطيني عندما تحرَّك مكون واحد منها لتحقيق مطالبه الملحة وحسب (الأمر الذي مثله اتفاق أوسلو)، وهو ما اختزل القضية الفلسطينية في إنهاء احتلال الأراضي المحتلة في عام 1967. ولهذا السبب شعر الكثيرون (وتحديدا بين الأقلية الفلسطينية داخل الخط الأخضر، وفي الشتات) بأن اتفاقات أوسلو قد أفضت إلى تجزئة الشعب الفلسطيني بتجاهل تاريخه السابق لعام 1967.
آليات التمثيل
تُشكل آليات التمثيل الديمقراطي أحد التحديات. إن السُبل لمشاركة كل تجمع من تجمعات الشعب الفلسطيني في عملية انتخابية لاختيار ممثليه في المجلس الوطني الفلسطيني تقتضي دراسة متمعنة تُقيّم أفضل الأمثلة التاريخية وأنسبها. ويمكن أن تتراوح هذه السبل بين الانتخاب المباشر كما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة في إطار انتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني (وهو أمر يمكن أن تعطل تنفيذه إسرائيل)، والانتخاب عبر شبكة الإنترنت، وعبر الاتفاق مع الدول العربية ذات التجمعات الفلسطينية، وطُرق أخرى يمكن الاتفاق عليها.
سوف تكون هناك تحديات أكبر في أوساط اللاجئين والمنفيين وكذلك بالنسبة للأقلية الفلسطينية في إسرائيل. وعلى الرغم من أنه يمكن استخدام سجلات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، على سبيل المثال، في تجمعات اللاجئين في البلدان العربية من أجل وضع قوائم بأولئك المؤهلين للتصويت والترشح في الشتات، فهل سيكون الفلسطينيون في الأردن على استعداد للتعريف بأنفسهم كفلسطينيين بغية التصويت، في وقت يشرع الأردن فيه بسحب الجنسية من الأردنيين المنحدرين من أصول فلسطينية؟ كما إن الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل سيواجهون عواقب وخيمة إذا ما شاركوا في انتخاب ممثلين لهم في المجلس الوطني الفلسطيني. ومع ذلك، يُمكن إيجاد طُرق أخرى للتعبير عن آرائهم. ففي الماضي، عبروا عن آرائهم وتطلعاتهم دون الحاجة لأن يكونوا أعضاء رسميين في المجلس الوطني الفلسطيني.
ومن الجدير بالذكر أن القانون الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ينص على وجوب انتخاب أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني انتخابًا مباشرًا. ومع ذلك، اعتمد المجلس الوطني الفلسطيني إلى حد كبير على نظام الحصص، كما فعلت بعض التنظيمات الجماهيرية، وبذلك تقسمت المقاعد بين الفصائل السياسية بحسب نظام حصص محدد - تستأثر فيه حركة فتح بنصف عدد المقاعد زائد واحد في الأمانات العامة، وتتوزع البقية بين أعضاء الجماعات الأخرى. وكان اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين الاستثناء الوحيد لذلك، إذ لم تستحوذ حركة فتح على الأغلبية وانعكس على تكوين الأمانة العامة خلال سنوات السبعينات ومعظم الثمانينات.
لقد قاد نظام الحصص،عمليا، إلى شلّ مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وحدَّ من المنافسة السليمة والديناميات المطلوبة لضمان تمثيل حقيقي لجماهير الناخبين الفلسطينيين وهو ما كان يمكن تحقيقه باتباع أساليب أخرى كالتمثيل النسبي. لقد أُجريت الانتخابات المباشرة في بعض فروع الاتحادات الطلابية (كما لا تزال الحال في جامعات الضفة الغربية وقطاع غزة) وأحيانا في فروع الاتحادات الأخرى، رغم أن أولئك المتواجدين خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة كانوا مضطرين للتماشي مع نظام الحصص. كما استُخدمت هذه الانتخابات أيضًا كوسيلة لتجنب مخاوف الحكومات المضيفة حيال الوضع الفلسطيني للمقيمين فيها - وخشية الحكومات العربية من أن شعوبها قد تطالب بإجراء انتخابات. ومن الناحية النظرية، ينبغي لموجة الديمقراطية التي ساقتها الثورات العربية أن تسهل على التجمعات الفلسطينية مهمة عقد انتخابات مباشرة في البلدان المضيفة.
